الشيخ حسين المظاهري

51

فقه الولاية والحكومة الإسلامية

أمّا دلالةً ، ففي هذا الحديث أيضاً نهى الصادق عليه السلام عوامّ الشيعة عن التحاكم إلى قضاة الجور وطرح الدعاوي عندهم . وبما أنّ منصب القضاء هو من لوازم المجتمع ولا يصلح مجتمعٌ إلّابوجوده ، قد نصب عليه السلام مَن كان فقيهاً عارفاً بالشريعة قاضياً حاكماً في المرافعات ؛ وهذا أمرٌ واضحٌ لاارتياب فيه . أمّا قوله عليه السلام : « يعلم شيئاً من قضايانا » ، ففيه شيءٌ من الغموض والإغلاق « 1 » . إذ الظاهر منه جواز القضاء لمن كان عارفاً بقسطٍ من الأحكام وجملةٍ منها ، بينما انّ هذا الظهور مردودٌ في فقه أهل‌البيت عليهم السلام ، ومن المجمع عليه « 2 » عدم جواز القضاء لمن ليس عارفاً بجميع الشريعة مستنبطاً فيها . فالظاهر هو كون « مِن » بيانيّةً ليفيد قوله عليه السلام « شيئاً من قضايانا » العموم والاستغراق . فلا يجوز القضاء إلّالمن كان عارفاً بجميع مسائل فقه أهل البيت عليهم السلام . وقوله عليه السلام : « يعلم » أيضاً لا يخلو عن غموضٍ ، إذ الظاهر انّ اللفظة تشتمل على العلمين الإجتهاديّ وغير الإجتهاديّ التقليديّ . ولا ريب في عدم ثبوت منصب القضاء لمن كان عارفاً بالفقه من غير اجتهادٍ فيه . فمَن كان من المقلّدين ولكن حصلت له المعرفة بجميع أبواب الفقه لا يجوز له تصدّي منصب القضاء ، وهذا من المجمع عليه . فلا مناص من الانصراف عن هذا الظهور والتخلّي عنه ، وتخصيص اللفظة بمن له مرتبة الاستنباط والاجتهاد . والآن بما تلونا عليك من الآية الشريفة وتلك الأحاديث الثلاثة ظهر انّ منصب القضاء قد فوّض من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله إلى من له مرتبة الاجتهاد والاستنباط . وهذا معنى ولاية الفقهاء على منصب القضاء . أمّا الولاية بمعنى وجوب الطاعة والانقياد ، فهل هي ثابتةٌ للفقيه أيضاً ؟ . قد مضى انّه لا ريب في ثبوتها للنبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ؛ وقد مضى أيضاً عدم الريب

--> ( 1 ) . وهذا الإغلاق ألجأ المحقّق السبزواريّ صاحب « الكفاية » رحمه الله إلى القول بكفاية التجزّي فياجتهاد القاضيّ ؛ راجع : « كفاية الأحكام » ص 261 . ( 2 ) . في هذا الإجماع نظرٌ ظاهرٌ ، فانظر : « جواهر الكلام » ص 15 ، « مستند الشيعة » - الطبعةالحجريّة - ج 2 ص 517 ، « جامع المدارك » ج 6 ص 3 .